جمال المعمري- رئيس منظمة إرادة في ذكرى اختطافه
:اثنتا عشرة سنة من الصمود.. ذكرى الاختطاف اثنتا عشرة سنة طويتُ صفحاتها، وها أنا أستهلُّ الثالثة عشرة على كرسيٍّ متحرك؛ فهل يظن الواهمون أني تاركٌ ثأري؟ هيهات هيهات!
في مثل هذا اليوم، يوم الجمعة قبل اثني عشر عاماً، في 13-3-2015م، امتدت يد الغدر من ميليشيا الحوثي الإرهابية لتختطفني في صنعاء، بتواطؤٍ دنيء ممن نُزعت الكرامة من نفوسهم، وتشبعت قلوبهم بالأحقاد؛ نقمةً منهم على دوري في خدمة المجتمع وذودي عن حياض الضعفاء.في مثل هذه الليلة، سُلبتُ عافيتي، وتجرعتُ مآسي الحقد الرافضي وعلقم أذنابهم من المنافقين.
لقد مضت اثنتا عشرة سنة من حياتي وأنا رفيق هذا الكرسي، مجاهداً صنديداً في سبيل الله، ثم في سبيل الوطن والأنفة والنضال.
لقد كانت تلك الليلة هي الأقسى في سجلّ عمري؛ إذ نلتُ من صنوف التعذيب والقهر أضعاف ما يطيقه عقل أو يتصوره بشر.
لم يكن “بدروم” منزل الفريق علي محسن الأحمر بأقل وحشية من معتقل “أبو غريب” بالعراق، ولا كان معتقل “جبل صرف” بأهون حالاً من سجن “صيدنايا” في سوريا، وما كان الحال في سجن “الأمن السياسي” إلا صورةً مكررة من سجون “الباسيج” في إيران.
إنها ملةٌ واحدة، ونهجٌ رافضيٌّ مستنسخ، وسلوكٌ بربريٌّ يتطابق فيه الطغاة، ومنهم أولئك الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مطايا لطهران في أرض اليمن.
لقد تهاوى العشرات أمام ناظري موتاً تحت وطأة التعذيب وبسبب الإهمال الطبي المتعمد، وسُلخت جلود الوجاهات الاجتماعية والأساتذة والأكاديميين؛ ومُنع الأذان في معتقل “صرف”، ومزق الحوثيون كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ورُميت كتب “رياض الصالحين” في القمامة، وجاع المئات حتى بلغوا حد المجاعة، وتهاوى الناس سقوطاً لعدم قدرتهم على الوقوف نتيجة التعذيب والجوع.ولعلي كنت من أكثر المعتقلين كبداً ومعاناة من آلات تعذيب الحوثيين في منزل علي محسن ومعتقل جبل صرف شرقي صنعاء.
ما زلتُ أستذكرُ ليالي رمضان وكيف كانت تمرُّ بنا في الزنزانات المظلمة. ولستُ هنا في مقام سرد سنوات الحرمان والتعذيب؛ فقد أودعتها مجلداً كاملاً أعمل على إصداره، ليكون شاهداً للتاريخ على حقيقة الحوثيين وحقيقة أذنابهم.
لقد ولجتُ المعتقل على قدمي مختطفاً وأنا كـ “الليث”، وخرجتُ منه على نقالةٍ مشلولاً، ولكن هيهات أن يفلت الظالمون من القصاص في الدنيا والآخرة؛ فقد عذبوني، ونهبوا مالي، وسلبوا متعلقاتي، بل وحتى وثائقي الشخصية وأرشيف عملي، بل سلبوا عافيتي التي هي أغلى من الدنيا وما فيها.
وإني في هذا اليوم المبارك، أستشرفُ فجر الخلاص من هذه الميليشيا وأذيالها، لا سيما وقد تهاوت عمائم الإرهاب في طهران.وعلى الرغم من كل ذلك، تظلُّ الإرادة صلبةً لا تلين؛ وها أنا ذا، رغم بعدي عن الديار، أحمل ملفات الآلاف في أروقة الأمم المتحدة، وأطوف العالم لأفضح جرائم هذه الميليشيا. وبينما يعود الجميع إلى أحضان أطفالهم في الأعياد، يمرُّ عليَّ العيد ورمضان تلو رمضان وأنا في خندق المواجهة المستمرة مع العدو الإرهابي الرافضي.
وإني في هذه الساعة المباركة أدعو جبار السماوات والأرض ورحيمهما:
اللهم يا رجائي، مكِّن لي من رقاب الظالمين وأذنابهم، وبلِّغني القصاص العادل من كل من باشر تعذيبي، أو كادني، أو ظاهر الحوثيين عليَّ.
• اللهم إنك تعلم حال المعتقلين، وتعلم خذلان الجهات الحكومية لهم والأحزاب والمسميات؛ اللهم كن لهم يا حي يا قيوم، اللهم وكن لي سنداً ومعيناً، واجعل ألطافك تحيط بي وتغمرني.
• اللهم إنها اثنتا عشرة سنة مضت من عمري بقهرها ومظلوميتها، أسألك العوض الجنة، وأن تجعلها كفارة لكل ذنوبي السابقة واللاحقة، وإني أدعوك بقلبٍ مكلوم أن تنتقم لي من الظالمين أجمعين، يا قاصم ظهور الجبابرة.
• اللهم العافية، والستر والرزق الحسن، والنصر المبين على الأعداء. اللهم كن في عوني، وانصرني على من ظلمني، واشفِ روحي وجسدي، واكتب أجري في كل لحظة صبر واحتساب، يا رحمن الدنيا ورحيمها.
• يا حي يا قيوم، اكتب لنا عتقاً من النار، وفرجاً قريباً لكل المختطفين وذويهم. اللهم مُنَّ عليَّ بالعافية، واستخدمني في ميادين الحق، واجعلني سلماً لأوليائك، حرباً على الظالمين والمفسدين.
• اللهم ارحم الشهداء، واشفِ الجرحى، وفك قيد المعتقلين، واجبر كسر قلبي بفراق والدي -رحمه الله- يا رب العالمين.• اللهم فرِّج عن اليمن واليمنيين، واجبر كسر المنكسرين، ورد لليمن مجده واستقراره، وارزق ولاة أمره البطانة الصالحة، وعوِّض الضحايا خيراً مما فقدوه.
اللهم إني أثق في موعودك بنصر المستضعفين؛ فانصرني، وردَّ لي عافيتي، وارفع درجتي، وانتقم لي ممن ظلمني.
رئيس منظمة إرادة لمناهضة التعذيب والإخفاء القسري
أ. جمال محسن المعمريجنيف – سويسر
االدورة الـ 61 لمجلس حقوق الإنسان